خلاصة سنة الامتياز - علم نفس اكلينكي : جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن 3> ..

عن عقدة الكمال أُحدثكم - الجزء الثاني والأخير - ..

 

Photo by Kaboompics .com on Pexels


لقراءة الجزء الأول اضغط هنا

القشة التي قصمت ظهر البعير:

إحدى المرات كان يجب عليّ فيها كتابة تقرير غياب ( Absent Report  ) ؛ وهو عبارة عن تلخيص لمادة علمية معينة (Literature  ) ، بسبب غيابي عن حضور إحدى حلقات النقاش ( PBL  ) لأني لم أنهي قراءة تلك المادة !!

سؤال بديهي يطرح نفسه : لماذا لم أنهي قراءة المادة ؟!

لا أنكر طول تلك المادة العلمية ، ولا أنكر أيضًا أن تلخيصها يعتمد على أسئلة محددة ..

لكن ما كان يحدث معي – وهو ما كان يؤخرني ويتعبني في نفس الوقت - : وهو أن عقلي كان يتوقف عند كلمة معينة ؛ ليحقق معها بشكل دقيق ، على سبيل المثال :

-         كم معنى آخر تحمله هذه الكلمة ؟!

-         بأيّ معنى أتت هنا ؟!

-         لماذا هذه الكلمة بالذات وليست كلمة أخرى مرادفة لها ؟!

وأسئلة أخرى كثيرة ...

كنت استغرق أكثر من 30 دقيقة في الفقرة الواحدة ( Paragraph ) – دون مبالغة - ، حتى أتأكد من أن النص المفهوم هو نفس النص المكتوب ... وقد يتطور الوضع إلى دخولي في تناسق وتركيب الجملة نفسها -_-  ..

 فتأخرت للأسف على موعد التسليم ، بالإضافة إلى وجود اختبار في اليوم التالي مباشرة .. يا إلهي ماذا أفعل ؟! " فلم لمْ يعدْ في قوسِ الصَّبرِ مِنزَعٌ " .. لا أعلم كيف حدث التالي ولكنه حدث =) .. فقد تواصلتُ مع إحدى الأستاذات والتي بدورها  تحدثت مع أستاذة المادة .. وبعد نقاشٍ ، تفهموا وضعي آنذاك ، وطلبوا مني إرسال الـ Absent Report  كما هو ..

سقط عن كاهلي بعض ما كان يثقله ، وبدأتُ الإستعداد للإختبار .. وما ساعدني في الواقع هو ما كتبته لي أستاذتي من سطور حملت بين ثناياها الكثير ، أذكر منه جملة واحدة نالت ما نالته في داخلي رغم ضيقه ! ،  كتبت لي  " I believe in you " .. ومثل البعض كنت أرى في مثل هذه الجملة كمية من السخافة من عدة جوانب ! ، وأعتقد أن نظرتي لها اختلفت تمامًا بعد تلك الليلة ..

طبعًا بعد هذا الموقف طلبت مني الأستاذة زيارتها لمناقشة المشكلة وإيجاد حلول كضمان لعدم حدوثها مرة أخرى .. أتذكر ذلك اليوم جيدًا ، كنتُ متوترة جدًا منذُ بدايته وأتمنى أن يمضي بسرعة حتى تنتهي معاناتي مع ذاك الصراع .. فمن جهة  كيف لي أن أشارك مشاكلي مع الآخرين ؟ وأنا التي لم تعتد على ذلك ! وكيف أنا ندى أطلب مساعدة ؟! .. كيف لي - أنا من دخلت هذا التخصص لمساعدة الآخرين – أنا أحتاج العون ؟! ..

ومن جهة أخرى : فقد بدأتُ فعليًا إدراك ما أنا فيه ؛ الوضع متعب جدًا وغير منطقي !!  .. كيف أخبرها بأني أدركت ذلك ، ولكني لا زلت في مرحلة بين القبول والتشكيك ؟! وبماذا أرد عليها إن سألتني عن الحلول المطروحة لتجاوز هذه المشكلة في المستقبل ..

أعتقد أني بدأت مرحلة جديدة بعد ذلك الموقف .. مرحلة القبول بأني " فعلًا مبالغة " والتشكيك " هل أنا صدق مبالغة أو من حولي هم المقصرين ؟ " .. مرحلة التعرف على ذاتي بتوسع لم يكن مُخطط له !..

 مرّت السنوات الحمدلله ، وقد امتلئت بالكثير من المواقف : كنت اكتفي فيها بصديقاتي المقربات ( ريم ، العنود ، وهيا )  أو اكتفي بنفسي وهذا الأكثر بطبيعة الحال ..

بعد ذلك بدأت حدّة الأمور تقلّ بشكل بطيئ جدًا .. حيث لاحظتُ تطورًا إيجابيًا في بعض الأفكار والمعتقدات ، مثل :

-   إقناع نفسي بأني لا أستطيع السيطرة على كل شيء ..

-   منع نفسي من أي أعباء أخرى كمشاركات إضافية ، أنشطة تطوعية ..

-   التغاضي عن بعض المواقف التي تشمل أحداث محرجة جدًا ( قدر المستطاع ) ..

-   محاولة استخراج المعاني الأخرى للأحداث وتوسيع مجال الرؤية حتى تشمل كل الزوايا ( اقرأ هنا محاولتي وتأملاتي مع هذه التجربة ) ..

-   وأخيرًا بدأت بمحاولة تقبل مشكلتي ( القلق وعقدة الكمال ) خاصة بعد حضوري لإحدى المحاضرات الأكاديمية  ، والتي تقول – بإيجاز – : " بأن تقبل المشكلة وعدم مقاومتها هو أحد الطرق التي يمكن أن تساعد في حلّها " ..

فأصبحت على سبيل المثال أتقبل كل الأعراض الجسدية الممكن حدوثها أثناء أدائي في أي عرض تقديمي ؛ رجفة صوتي ، إحمرار وجهي ، وخفقان قلبي الذي طغى على قدرتي على سماع أي تعليق وبل وحتى من سماع صوتي =) !.. وبصراحة حتى الآن مازلت أحاول فهم سبب ما يحدث – بشكل مُقنع - ..

الحمدلله أرى تحسنًا كبيرًا بداخلي ؛ الكثير من أفكاري ، وطبيعة نظرتي للأمور كلها مرّت ضمن عملية تحليل معقدة – ولازالت - ،  لمست من خلالها  نتائج رائعة في نهاية مشواري الأكاديمي ..

لا أخفيكم أني حتى الآن أسمع الكثير من التعليقات .. ولكني بصراحة لا أبالي فأنا أعلم أين كنت وأين صرت =) ، وأعلم حتى وإن صدقتْ تعليقاتهم بأن ما بقي الآن لا يؤثر بجوانب حياتي كالسابق .. أحاول كثيرًا استغلال بعض النقاط لصالحي وبشكل إيجابي أكيد =) .. صحيح لازلت كإنسانة أتخبط في بعض الأمورالأخرى ولكني أعتقد إني قادرة على إدارتها حتى وإن أرخيت الحبلَ فجأة ، أو شددته ..

المهم : ندى الآن أصبحت أكثر تفهم ، مرونة وتقبل ، من ندى القديمة () ..

أشارككم هنا أبرز النقاط، وخلاصة هذه التجربة بالنسبة لي :

-   أن الأداء العادي للشخصيّات التي تعاني من ذات المشكلة ، هو أداء رائع جدًا بالنسبة لمستوى العمل المطلوب ..

-   كشخص كان يعاني من هذه الصفة المتعبة جدًا ؛ فقد قررت عدم مراجعة أي خطوة سابقة تم إنجازها وخصوصًا في العمل الذي يتكون من عدة خطوات ، إلا بعد إنهاء العمل وكمراجعة سريعة ..

-   تبنيت بعض القناعات الجديدة التي كانت بناءً على مواقف حدثت لي ، مثل :

* لا يوجد أحد كامل ، ولن يصل أحد لهذه المرحلة ..

* يكمن جمال بعض الأمور بنقصانها وتأمل الجانب الآخر منها ..

-   عندما قارنت بين حياتي السابقة وحياتي الحالية ؛ رأيت أنه لا مجال لمقارنة كمية الفرص والانجازات والأهم الراحة بينهما ؛  استطعت أن أدرك بأن  دائرة الكمال دائرة مزعجة وغير منطقية ، وأن تلبية جزء منها يجبرك لتلبية الأجزاء الأخرى .. وكأنه إدمان ولكن بشكل مختلف .. بشكل خالي من الراحة - إلا اللحظية - ، مليء بالقلق وعلامات تأكيدية للعقل بأن عملي في الأساس ناقص وغير مكتمل .. الأمر الذي يؤدي إلى استمرارية هذه الحلقة   .. هو حقًا أمر مُرْهق يستنزف الطاقة العقلية والنفسية والجسدية -_- .. 

-   هناك سؤال كان يتردد على مسمعي كثيرًا بحكم طبيعة تخصصي : ماذا يمكن أن يحدث لو تم إنجاز هذا العمل بنسبة تقل عن 100 % ؟!

وهو من أكثر الأسئلة التي كانت تسبب لي التوتر ، وخاصة عندما لا أجد إجابة واضحة !!

صدقًا .. لم أكن أعي بأن " عادي يصير عادي " ، لم أستوعب فكرة أن الجيد له مستويات غير ذلك الذي أطمح له ، لم أتأمل حدود قدرة الفرد الطبيعية بل حكمت مسبقًا غير مراعية لوجود الفروقات الفردية ..

- كنت أعاني من بعض التعليقات والنصائح النظرية من حولي :

" أنتِ بس موسوسة  "

" يومك بسنة "

 " الموضوع بسيط ، أ ن ج ز ي - أخلصي وعجلي - " !!

" ليش مكبرة السالفة ؟! " ..

" ليش قلقانة ؟!! "

" ما يحتاج توتري ، مت في شي يوتر "

يا إلهي ما أروعكم ، وما ألطفكم =) ..

وكأني لا أفهم ما أنا فيه ، بل وكأن الأمر سيتوقف بمجرد سماع مثل هذا الكلام  ..

أصدقائي :

أرجوكم اعلموا أن المسألة لا تنتهي بضغطة زر ، لأني لستُ مكيف =| ..

-   بعد تأملات عديدة ومحاولات كثيرة لكسر هذه الحلقة اكتشفت – بألم - التالي =) :

* ما أقوم به يأخذ ما تأخذه الأعمال الأخرى من الدرجات .. و في مقابل هذا ، فأصحاب تلك الأعمال يعيشون حياتهم ومستمتعين بما حولهم .. أما أنا ففي حالة إنهيار من البداية وحتى النهاية ..

* استوعبت كمية اللحظات الجميلة التي لم أعِشها ولم استمتع بها ؛ لأن تركيزي موجهه على تحقيق المستحيل !

-   كان صدى الآية : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } عاليًا أمام زحمة أفكاري ، وخصوصًا حينما بدأ القلق كمزاج وشعور يتحول إلى آلالام جسدية ، مثل: الصداع وألم المعدة وشد العضلات ..

-   كنت ولازلت أكره أسلوب المقارنة .. ولكنّي لجأت له بطريقة أخرى فاخترت إحدى الزميلات كنموذج للأداء الطبيعي ( المعقول ) ، بعد فترة من تأمل أدائها ومحاكتِه استوعبت ما كنت أقوم به  ..

أعلم أني وصلت متأخرة ، ولكني وصلت بقناعة وإدراك بأدائي المبالغ به ومدى تأثيره عليّ ..

وأخيرًا :         

اعذروني على الإطالة ، لكنّي أحببت توضيح إحدى زوايا المشكلة من قلب الحدث .. تلك الزواية التي أخذت مني الكثير ، وأعرف أن الخروج منها أمر غير سهل من غير معرفة ورغبة وصبر واحتواء ودعم من المحيط الاجتماعي أو المختص النفسي - لا عيب في ذلك - ..

ومن هنا ومن خلال كتابة هذا الجزء من هالتجربة ـ فأنا لا أوجهه الملامة لأي طرف كان أبدًا ، بل بالعكس أجدني ممتنة أكثر على ما حدث ، فلولاه لما وصلت لما أنا عليه الآن ..


هنا تلخيص هذه التجربة على شكل نص أدبي بعنوان : عقل يتقيأ الكمال ..

هنا سلسلة تغريدات تثقيفية عن النزعة الكمالية من فريق بَثْنَة في التويتر ..


تعليقات